جلال الدين السيوطي
674
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
مخففة . فأنف من هذه الكلمة ، وقام من فوره ، فسأل عن من يعلّم النحو ، فأرشدوه إلى معاذ الهرّاء ، فلزمه حتى أنفد ما عنده ، ثم خرج إلى البصرة ، ولقي الخليل بن أحمد ، وجلس في حلقته ، فقال له رجل من الأعراب : تركت أسدا وتميما وعندهما الفصاحة وجئت إلى البصرة ؟ فقال للخليل : من أين أخذت علمك هذا ؟ فقال : من بوادي الحجاز ونجد وتهامة . فخرج الكسائيّ ورجع وقد أنفد خمس عشرة قنّينة حبرا في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ ، ولم يكن له همّ غير البصرة والخليل ، فوجد الخليل قد مات ، وجلس في موضعه يونس بن حبيب البصريّ النحويّ ، فجرت بينهم مسائل أقرّ له يونس فيها ، وصدّره في موضعه . قال عبد الرحيم بن موسى : قلت للكسائيّ : لم سمّيت الكسائيّ ؟ قال : لأني أحرمت في كساء . وقال خلف بن هشام : دخل الكسائيّ الكوفة إلى مسجد السبيع ، وكان حمزة بن حبيب يقرئ فيه ، فتقدّم الكسائيّ مع أذان الفجر ، فجلس وهو ملتفّ بكساء ، فلما صلّى حمزة ، قال : من تقدّم في الوقت ؟ قيل له : الكسائيّ . يعنون صاحب الكساء ، فرمقه القوم بأبصارهم ، فقالوا : إن كان حائكا فسيقرأ سورة يوسف ، وإن كان فلّاحا فسيقرأ سورة طه ، فسمعهم ، فابتدأ بسورة يوسف ، فلما بلغ إلى قصة الذئب ، قرأ : فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [ سورة يوسف ، الآية : 17 ] بغير همز . فقال له حمزة : « الذئب » بالهمز . فقال له الكسائيّ : ولذلك أهمز الْحُوتُ [ سورة الصافّات ، الآية : 142 ] فاقرأ « فالتقمه الحوت » . فقال : لا . فقال : لم همزت الذئب ولم تهمز الحوت ، وهذا ( فأكله الذئب ) وهذا ( فالتقمه الحوت ) ؟ فرفع حمزة بصره إلى حمّاد الأحول ، وكان أكمل أصحابه ، فتقدّم إليه في جماعة أهل المجلس ، فناظروه ، فلم يصنعوا شيئا ، وقالوا : أفدنا يرحمك الله ، فقال لهم الكسائيّ : تفهّموا عن الحائك ، تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب : قد استذأب الرجل ، ولو قلت : قد استذاب بغير همز لكنت إنّما نسبته إلى الذّوب أي الهزال ، تقول : قد استذاب الرجل شحمه ، بغير همز ، وإذا نسبته إلى الحوت ، قلت : قد استحات